الناي الحزين:بقلم الاستاذ محمد عزو حرفوش من سوريا

 الناي الحزين..

حتّى الخامسة فجراً وأنا أطارد أيّ فكرة تليق بأن أنسج منها حبلاً من الكلمات.. يكون أخفّ وطأة وحزّاً من آلاف الحبال التي تُلف حول أعناق أحلامنا وآمالنا البسيطة في العيش الكريم كلّ مطلع نبض.. فتشنقها وترمي بجثثها البتول البريئة لوحوش الجشع والطمع وطحالب الأزمات التي تعملقت وتسلّقت وغطّت جدران حياتنا المجهولة الطلاء. 

وعلى حين جمرة غافلني فيديو.. واقتحم صفحة مخيلتي الشخصيّة.. لعازف ناي يصبُّ أنهار دموع.. في فضاء الصمت المسموع.

 هنا صرخ مخيخي المثقل بالهموم وأسطول التساؤلات.. على سرير قد أدمن الوجع والأنّات.. وجدتها.. وجدتها.. وجدتها؟! لا لم يكن أرخميدس الذي خرج عرياناً.. بل كان مخيخي الذي جلس حيراناً.. حيناً يصفن.. وحيناً يتساءل.. من الذي أبكى الناي؟ حزن القصب المذبوح.. أم حزن العازف المفضوح.. أم جرح الحقيقة المفتوح؟!

بكيت معه حتّى النخاع الصوتي.. وحين جفّت مآقينا.. وأدركت أنّ الفجر راحلٌ يقينا.. أنشدت.. ( أعطني الناي وغنّي.. فالغنا سرّ الوجودِ ).. أجابني بأحرف من خريف.. صوتي مسروق.. وبوحي مخنوق.. وشفائي مشنوق.. وأنا عبد الانتظار.. لكنّي معتوق.. لا أستطيع الغناء.. فقد أدمنتُ البكاء.. يراودني في كلّ حنين الفناء.. فلا أدرك لي أرضاً ولا سماء.. ولا يبوح صمتي بالحقّ حين أشاء.. أعلم علّتي.. ولا أتلمّس الدواء.. وأسلّم أنّ شراييني قد رسمت بين ضلوعي الداء.. ولا أستطيع التخلّي عن الناي.. هي مؤنستي وسلواي.

تظاهرت بالجَلد والكبرياء.. وأخذت أرسم له صوراً من نقاء.. تحت جنح الصباح على استحياء.. أراود حزنه.. بغية الشكر والثناء.. وأتابع الإنشاد.. ( غنّي.. أحبّك أن تغنّي.. وتحدّث الأطيار عنّي ).

عاجلني عصفور قد نفض للتوّ عن جناحيه تثاؤبات الندى مزقزقاً.. كيف له أن يغنّي وهو أخرس؟ وماذا تريد أن يحدّثنا عنك يا أشعث؟ ولماذا لا تترك الناي وشأنه وعن نفسك تتحدّث؟ فنحن معشر العصافير.. نزقزقُ قبل أن نطير.. ولا نرهق رأسنا الصغير في ما كان وما سوف يصير.. وأن رزقنا موجود أم أنّ الأمر عسير.. وكلّ ما علينا أن نجتهد ونطير.. وعلى خالقنا الأكرم حسن التدبير.. فنحن الضعفاء.. وسبحانه على كلّ شيء قدير.

سألته.. هل تؤمن بالله ياعصفور؟ فزقزق.. وكأنّه مقهور.. لا أؤمن بسواهُ.. ولا أخشى خطباً إلّا أن أنساهُ.. يرافقني في كلّ خفقة جناحٍ.. ولا أراهُ.. وأسأله.. أن لا يكلني لنفسي طرفة عين.. جُعلتُ فداهُ.

بكيتُ مجدّداً.. كيف نبني من أحزاننا قبور.. وننبش عن حلول عصيّة العثور.. ويرقص مذبوحاً من الألم عصفور؟

يطارده في السهول والوهاد.. كلّ يوم ألف ألف صيّاد!

وها أنا قد كفرت بالسواد.. وألقيت بهمومي على ربّ العباد.. وسوف أغنّي وأُعيد الإنشاد.. 

يا ناي أنا مثلك حزين يا ناي.

أنت ببحّتك تشكي هموم القصب.. وأنا لغير خالقي ما أحكي شكواي.

يا ناي سرقوا كروم الذهب يا ناي.

صار معاهم أكوام من الظلم..

وأنا المنتصر مادام الله معاي.

يا ناي رح شقشق تياب الحزن.

وصحّي الفرح من غفوته بنجواي.

يا ناي رح أضويّ ألف نجم ونجم.

رح شد خطوتي وما أتعثّر بممشاي.

.. محمد عزو حرفوش..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكمت نايف خولي هو الإنسان تأمَّلْ هذه الدُّنيا وراقبْ ..... بعين النَّاقدِ الحرِّ البصيرِ ترَ الأشياءَ توغِلُ في التَّخفِّي ..... تغورُ وتنطوي خلف القشورِ وتربضُ في كهوفِ الغيبِ تهفو ..... لملاّحٍ ومكتشفٍ خبيرِ عليمٍ في البواطنِ والخفايا ..... يشقُّ بسيفِه جلَدَ الستورِ يُطِلُّ على الحقيقةِ دون لُبْسٍ ..... ويجلو ما تلبَّسَ من أمورِ *** هو الإنسانُ ينشأُ من ترابٍ ..... كأيَّةِ بقلةٍ أو قردِ غابِ ومن أملاحِه يقتاتُ ينمو ..... ويقوى في المداركِ واللُّبابِ ويبدأُ بالتَّمايُزِ والتَّرقي ..... فيفتحُ للتَّطوُّرِ ألفَ بابِ يطالعُ في الطَّبيعةِ ما تبدَّى ..... فينظُمُه علوماً في كتابِ ويخلقُ من هَباءِ الأرضِ كوناً ..... يفوقُ ويعتلي كونَ الترابِ *** هو الإنسانُ مخلوقٌ طموحٌ ..... إلى العلياءِ يحلُمُ بالصعودِ يَحوكُ من التُّرابِ جناحَ نورٍ ..... ليعبُرَ سابراً لُغزَ الوجودِ يحطُّ على الكواكبِ في شموخٍ ..... وعقلٍ شاخصٍ صوبَ الخلودِ ينقِّبُ في زوايا الكونِ بحثاً ..... وتمحيصاً عن الأصلِ التَّليدِ يُحسُّ بذاتِه فرداً فريداً ..... يُغايرُ جوهراً نسلَ القرودِ *** هو الإنسانُ أبدعَ كلَّ فنٍّ ..... علومٌ جمَّةٌ أدبٌ جميلُ وموسيقى وتصويرٌ ونحتٌ ..... وهندسةٌ فبنيانٌ جليلُ وأخرجَ من بطونِ الأرضِ زيتاً ..... فعمَّ بفضلِه الخيرُ الجزيلُ أضاءَ بنورِه عتمَ الدَّياجي ..... فشعَّ اليُسرُ والدِّفءُ العليلُ وأخصبتِ الحقولُ جنىً شهيّاً ..... فسادَ الرَّغدُ والعيشُ الأسيلُ *** هو الإنسانُ خَلْقٌ لا يُجارى ..... يسودُ على الطَّبيعةِ والوجودِ فمن طينٍ وبعضٍ من موادٍ ..... يصوغُ عجائبَ العقلِ الفريدِ يُغيِّرُ وجهَ كوكبِنا ويمضي ..... يجدُّ السَّيرَ للكونِ البعيدِ ويحملُ بين جنبيهِ الأماني ..... وأشواقاً إلى الوطنِ السَّعيدِ وأحلاماً بكشفٍ للخفايا ..... يُعيدُ له الأصالةَ من جديدِ *** بربِّك يا أخي هل هذا قردٌ ؟..... حفيدُ بهيمةٍ نسلُ القرودِ ؟ فيغزلُ من أديمِ الأرضِ فكراً ..... يجوزُ به متاهاتِ الحدودِ يَشيدُ حضارةً تزدادُ زهواً ..... يَزينُ بدُرِّها صدرَ الوجودِ يَسنُّ شرائعاً، نُظُماً وعلماً ..... بها يحبو إلى الكونِ الأبيدِ إلى الآفاقِ حيثُ النُّورُ يجلو ..... ظلامَ الجهلِ والفهمِ البليدِ *** أرى في العقلِ لمْحاً من إلهٍ ..... توارى خلف أسدالِ الضَّبابِ وما الصَّلدُ البليدُ سوى سرابٍ ..... تكثَّفَ آخذاً صورَ النِّقابِ ليحجُبَ عن مداركِنا وجوداً ..... نراه مُموَّهاً نهبَ ارتيابِ يبينُ ويختفي في كلِّ آنٍ ..... عصيَّ الفهمِ مشكولَ الجوابِ يراه أخُ البصيرةِ دون لُبْسٍ ..... فينحو سالكاً سُبلَ الصوابِ هو الانسان حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديوان حلمي أهيم مع الفراشِ

حكمت نايف خولي هدِّيء من الخفقان هدِّيءْ منَ الـَخفـَقان ِ يا َقـلـْبي الجريح ْ شابَ الزَّمان ُ وآنَ لـي أن أسْـتـَريــحْ فـي كـُلِّ يَـوم ٍ مـن حَـياتـِك َ عـاشِــقٌ يمْـضي وتـَبـْقى في مَكانـِك َ كاكسـيح ْ ـــــ هدِّيءْ مِنَ الخـَفـَقان أذ بَـلـْتَ المُقـَل ْ وَحَشَرْت َفي َصدْري جُيوشا ًمن عِلل ْ أنـْبَتَّ في روحي َغـرامـا ً قــاتِـــلا ً فـَغـَدَوتُ من َخمْر ِ الأحبـَّة ِ كالـثـَّمِـل ْ ــــــ هَدِّيءْ منَ الخَـفـَقان ِ إيَّاك َ الـهَـوى يا خافقي فغـَدا ً ُتـعَذ َّب ُ بالنـَّــوى واسْدِ لْ على المـاضي سِتارا ًعاتـِما ً إياكَ أن تهوى فيقتلكَ الجوى ــــــــ هدِّيءْ من الخفقان ِلا تهْوى امْـتِثال ْ فغـَرامُها يا قلبُ ضرب ٌ مـن َمحال ْ هيَ في َسماءِ الـحُـبِّ بـدر ٌ شـــارد ٌ وأنا أسيرُ الأرْض ِ مَصْفود ُالخـَيال ْ هدّيءْ حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديوان للروح أزاهير وثمار

حكمت نايف خولي روحي لها روحي لها والقلبُ معبد حبِّها وأنا الشهيدُ ذبيحُ فتكِ عيونها وأنا المعذَّبُ صامتٌ متوجعٌ حتى الأنين كتمته من أجلها والآخُ تخنقني وتكوي مهجتي فألوذُ منهوكاً أرتلُ باسمها هيَ ربتي وأنا المتيمُ خاشعاً أرنو إليها حالماً بحنانها في مجمرِ الأشواقِ يحرقني الجوى أتلو صلاةَ العشقِ مسحوراً بها وحدي مع الأحزان يجلدني الأسى والحلْمُ يوهمني بقربِ لقائها أشتاقها أهفو إليها ظامئاً لرحيقِ مبسمها وريقِ شفاهها خمرٌ معتَّقةٌ تشلُّ مداركي فأغلُّ مخمور النُّهى في حضنِها تتشابكُ الآهاتُ شوقاً جارفاً فأذوبُ أفنى في لهيبِ وصالها وعلى رموش النور احمل ربتي فإلى السما نرتاح في اخدارها روحي لها حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديواني أحببْ بروحك لا بالجسمِ والبدنِ @الجميع