هي --وهو:قصة قصيرة الجزء الثاني للكاتبة ليلى مرّاني من العراق

هي... و... هو قصة قصيرة، الجزء الثاني ليلى المرّاني من العراق قبل أن يقرأ رسالتها كتب لها: "حين تفتحين رسالتي سأكون بعيدًا، ليس هربًا منك، إنما هربًا من نفسي، فأنت تعلمين أية مساحة لك في قلبي وحياتي. يوم تعرّفت عليك كنتُ محطّما، وللمرّة الأولى أصارحك بذلك، فأنا لم أكن ذلك الرجل القويّ المتفهّم كما تصوّرتِ، كنتُ للتوّ قد خرجت من تجربة حبّ فاشلة استنزفت كلّ مقاومتي، ثلاثة أعوام عشتها في وهمٍ ملتهب كان يجب أن ينتهي حين اكتشفتُ أنني لم أكن الحبيب الوحيد في حياتها؛ فانهارت كلّ قلاعي، صرتُ هشّا ينخرني الحزن، عشت مشتّتا يائسا وغير قادر على لملمة شتاتي، إلى أن رأيتك في تلك الأمسية الشعرية، وقفتِ على المسرح كأيقونةٍ من كريستال، تلقين بصوتٍ ملائكي قصيدة حبّ رقيقة وقد اصطبغ وجهك بحمرةٍ شفيفة، تسارعتْ نبضات قلبي وأحسستُ أنك توجّهين لي كلماتك العذبة، سألتُ صديقي الذي يرافقني عنك، أجابني ضاحكًا: لماذا تسأل عنها؟ هل وقعت في شباكها. ضحكتُ وأنا أُجيبه: لا، لكنها رقيقة جدّا وصوتها ملائكي. أنا من الذين تأسرهم الأصوات الجميلة، وكان ما كان، أصبحنا حبيبين يضرب بهما المثل في العشق والوفاء. قلتِ لي يومًا وأنت تنظرين بعينيّ بكلّ ثبات: ألا تريد أن تعرف شيئا عن حياتي الماضية؟. احتضنتُك كما طفلةٍ صغيرة، لا يهمّني ماضيك فهو ملكك الخاص، حاضرك والمستقبل الذي سيجمعنا إلى الأبد هو ما يهمّني، كدتِ تصيحين من الفرح: هذا هو الرجل الذي امتلكني، ثمّ حكيتِ لي عن صديقتك التي سألها خطيبها إن كانت أحبّت رجلًا قبله، فأجابته بكلّ عفويّتها: تكذب من تقول لك إنك أوّل حبّ في حياتها. من يومها انتصب الشكّ جدارًا عازلًا بينهما، حتى افترقا أخيرًا. لقد تعاهدنا على أن نحتفظ بماضينا لأنفسنا ولم أخبرك بحكايتي مع من خانتني. ما زلتُ أذكر كلّ كلماتك رغم السنين التي مرّت، كلّ حركة، كلّ لحظة حبّ جمعتنا، هل كنتُ مُخطئًا حين تأخر الحمل وطلبتُ أن نجري الفحوصات اللازمة؟ ليتني لم أفعل، لكنَّ إلحاح الأهل، خاصةً أهلي؛ فقد كنتُ الوحيد لهم وأمي تنذر النذور كي ترى حفيدًا لها؛ هو ما أجبرنا على أن نجري الفحوصات، وحين اصطدمنا بالواقع المرير احتضنتُكِ بكل ما في قلبي من حبّ لك. حبيبتي أريد أن أبقى الطفل الوحيد في حياتك، لا يشاركني بك أحد حتى لو كان ابني، وتساقطت دموعي ساخنةً رغم محاولتي إخفاءها. ريحٌ عاتية قلبت كلّ ثوابتنا، أصابتك الكآبة، أرى انطفاء عينيك؛ فأعلم أنك تبكين لوحدك، ورغم ذلك تحاولين جهدك إرضائي كأنك تعتذرين عن ذنب ارتكبتِه؛ فأشعر بالضيق والاختناق، تعوّدتُ أن أراك قويّة صريحة، رقيقة. بدأتُ أهرب من البيت كي لا أضيف لك عبئًا وأنت تكابدين وتعانين من اليأس والحرمان، حرمان الأمومة، ورغم ذلك ترسمين ابتسامةً باهتة على وجهك. أصبحتُ أقضي أيامًا خارج البيت وأنا أعلم أنك تظنّين بي مختلف الظنون، كنتُ أذهب عند أمّي، أضع رأسي في حضنها الدافئ وأبكي، هل تصدّقين؟ أبكي مثل صغير سُلبت منه لعبته التي يحبّها، أخشى أن أفقدك. أعلم أنني تماديت في الغضب والصراخ بوجهك دون أي سبب، أتعلمين لماذا؟ أردت أن أوقظ فيك تلك الأنثى القويّة، الواثقة بنفسها، لكنّك أخذتِ تتذلّلين، أردتك أن تثوري بوجهي كالطوفان، تصرخين: كفى، لم أعد أطيقك، لكنك تنسحبين إلى غرفتك التي عزلتِ نفسك فيها، تجرّين خطاك الواهنة بحذر، وأنا كلّي يقين بأنك تُغرقين وسادتك بدموعك الصامتة. في رأسي زوبعة من الكلمات القاسية أردت أن أقذفها بوجهك كي أثير كرامتك، يصيح صوت غاضب في رأسي: لماذا تعاملها بهذه القسوة وهذا الجفاء؟ فأقول له: أريدها أن تكرهني كي يخفّف ذلك عليها ألم الفراق، أنا مليء، مترع الحواسّ بها، لم أعد أستطيع رؤيتها ضعيفةً تتألم بصمت، يجب أن نضع حدّا لهذا العذاب، وأريدها هي أن تفعل ذلك، رغم أنها تركت الصمت جسرًا يمتدّ بيننا. أين ذهب شموخكِ، حبيبتي؟ أين رنين ضحكتك الذي كان يسحرني؟ حتى صوتك الدافئ أصبح جافّا لا حياة فيه، صرتِ خانعةً تتذلّلين، وقد عهدتك (طودًا) لا تهزّه الريح، لم أعد أرى تلك المرأة القويّة الحنونة التي طالما قوّمت أخطائي، بل (أمَةً) صامتة تذرف الدموع. لا أريد أن أكون سببًا في سقوطك إلى هاوية (جواري السلطان)، فأنت حبيبتي، وأنت الشمس التي أشرقت وأنارت ظلمات حياتي؛ لهذا أضع بين يديك اتخاذ قرار حاسم، سأسافر لعدّة أيام كي أعيد حساباتي في انتظار ردّك، أتمنى حين أعود أن أجدك قد اتخذت القرار الصائب، نكمل مشوار حياتنا معًا كما كنّا سابقًا أو نفترق صديقين يحملان مشاعر طيبة اتجاه بعضهما". تنام في فراشها بعمق بعد أن تناولت قرص المنوّم، طبع قبلةً ساخنة على جبينها، وضع الرسالة على منضدتها الصغيرة، خرج من البيت حاملًا حقيبة ملابسه، ورسالتها التي لم يفتحها بعدُ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكمت نايف خولي هو الإنسان تأمَّلْ هذه الدُّنيا وراقبْ ..... بعين النَّاقدِ الحرِّ البصيرِ ترَ الأشياءَ توغِلُ في التَّخفِّي ..... تغورُ وتنطوي خلف القشورِ وتربضُ في كهوفِ الغيبِ تهفو ..... لملاّحٍ ومكتشفٍ خبيرِ عليمٍ في البواطنِ والخفايا ..... يشقُّ بسيفِه جلَدَ الستورِ يُطِلُّ على الحقيقةِ دون لُبْسٍ ..... ويجلو ما تلبَّسَ من أمورِ *** هو الإنسانُ ينشأُ من ترابٍ ..... كأيَّةِ بقلةٍ أو قردِ غابِ ومن أملاحِه يقتاتُ ينمو ..... ويقوى في المداركِ واللُّبابِ ويبدأُ بالتَّمايُزِ والتَّرقي ..... فيفتحُ للتَّطوُّرِ ألفَ بابِ يطالعُ في الطَّبيعةِ ما تبدَّى ..... فينظُمُه علوماً في كتابِ ويخلقُ من هَباءِ الأرضِ كوناً ..... يفوقُ ويعتلي كونَ الترابِ *** هو الإنسانُ مخلوقٌ طموحٌ ..... إلى العلياءِ يحلُمُ بالصعودِ يَحوكُ من التُّرابِ جناحَ نورٍ ..... ليعبُرَ سابراً لُغزَ الوجودِ يحطُّ على الكواكبِ في شموخٍ ..... وعقلٍ شاخصٍ صوبَ الخلودِ ينقِّبُ في زوايا الكونِ بحثاً ..... وتمحيصاً عن الأصلِ التَّليدِ يُحسُّ بذاتِه فرداً فريداً ..... يُغايرُ جوهراً نسلَ القرودِ *** هو الإنسانُ أبدعَ كلَّ فنٍّ ..... علومٌ جمَّةٌ أدبٌ جميلُ وموسيقى وتصويرٌ ونحتٌ ..... وهندسةٌ فبنيانٌ جليلُ وأخرجَ من بطونِ الأرضِ زيتاً ..... فعمَّ بفضلِه الخيرُ الجزيلُ أضاءَ بنورِه عتمَ الدَّياجي ..... فشعَّ اليُسرُ والدِّفءُ العليلُ وأخصبتِ الحقولُ جنىً شهيّاً ..... فسادَ الرَّغدُ والعيشُ الأسيلُ *** هو الإنسانُ خَلْقٌ لا يُجارى ..... يسودُ على الطَّبيعةِ والوجودِ فمن طينٍ وبعضٍ من موادٍ ..... يصوغُ عجائبَ العقلِ الفريدِ يُغيِّرُ وجهَ كوكبِنا ويمضي ..... يجدُّ السَّيرَ للكونِ البعيدِ ويحملُ بين جنبيهِ الأماني ..... وأشواقاً إلى الوطنِ السَّعيدِ وأحلاماً بكشفٍ للخفايا ..... يُعيدُ له الأصالةَ من جديدِ *** بربِّك يا أخي هل هذا قردٌ ؟..... حفيدُ بهيمةٍ نسلُ القرودِ ؟ فيغزلُ من أديمِ الأرضِ فكراً ..... يجوزُ به متاهاتِ الحدودِ يَشيدُ حضارةً تزدادُ زهواً ..... يَزينُ بدُرِّها صدرَ الوجودِ يَسنُّ شرائعاً، نُظُماً وعلماً ..... بها يحبو إلى الكونِ الأبيدِ إلى الآفاقِ حيثُ النُّورُ يجلو ..... ظلامَ الجهلِ والفهمِ البليدِ *** أرى في العقلِ لمْحاً من إلهٍ ..... توارى خلف أسدالِ الضَّبابِ وما الصَّلدُ البليدُ سوى سرابٍ ..... تكثَّفَ آخذاً صورَ النِّقابِ ليحجُبَ عن مداركِنا وجوداً ..... نراه مُموَّهاً نهبَ ارتيابِ يبينُ ويختفي في كلِّ آنٍ ..... عصيَّ الفهمِ مشكولَ الجوابِ يراه أخُ البصيرةِ دون لُبْسٍ ..... فينحو سالكاً سُبلَ الصوابِ هو الانسان حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديوان حلمي أهيم مع الفراشِ

حكمت نايف خولي هدِّيء من الخفقان هدِّيءْ منَ الـَخفـَقان ِ يا َقـلـْبي الجريح ْ شابَ الزَّمان ُ وآنَ لـي أن أسْـتـَريــحْ فـي كـُلِّ يَـوم ٍ مـن حَـياتـِك َ عـاشِــقٌ يمْـضي وتـَبـْقى في مَكانـِك َ كاكسـيح ْ ـــــ هدِّيءْ مِنَ الخـَفـَقان أذ بَـلـْتَ المُقـَل ْ وَحَشَرْت َفي َصدْري جُيوشا ًمن عِلل ْ أنـْبَتَّ في روحي َغـرامـا ً قــاتِـــلا ً فـَغـَدَوتُ من َخمْر ِ الأحبـَّة ِ كالـثـَّمِـل ْ ــــــ هَدِّيءْ منَ الخَـفـَقان ِ إيَّاك َ الـهَـوى يا خافقي فغـَدا ً ُتـعَذ َّب ُ بالنـَّــوى واسْدِ لْ على المـاضي سِتارا ًعاتـِما ً إياكَ أن تهوى فيقتلكَ الجوى ــــــــ هدِّيءْ من الخفقان ِلا تهْوى امْـتِثال ْ فغـَرامُها يا قلبُ ضرب ٌ مـن َمحال ْ هيَ في َسماءِ الـحُـبِّ بـدر ٌ شـــارد ٌ وأنا أسيرُ الأرْض ِ مَصْفود ُالخـَيال ْ هدّيءْ حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديوان للروح أزاهير وثمار

حكمت نايف خولي روحي لها روحي لها والقلبُ معبد حبِّها وأنا الشهيدُ ذبيحُ فتكِ عيونها وأنا المعذَّبُ صامتٌ متوجعٌ حتى الأنين كتمته من أجلها والآخُ تخنقني وتكوي مهجتي فألوذُ منهوكاً أرتلُ باسمها هيَ ربتي وأنا المتيمُ خاشعاً أرنو إليها حالماً بحنانها في مجمرِ الأشواقِ يحرقني الجوى أتلو صلاةَ العشقِ مسحوراً بها وحدي مع الأحزان يجلدني الأسى والحلْمُ يوهمني بقربِ لقائها أشتاقها أهفو إليها ظامئاً لرحيقِ مبسمها وريقِ شفاهها خمرٌ معتَّقةٌ تشلُّ مداركي فأغلُّ مخمور النُّهى في حضنِها تتشابكُ الآهاتُ شوقاً جارفاً فأذوبُ أفنى في لهيبِ وصالها وعلى رموش النور احمل ربتي فإلى السما نرتاح في اخدارها روحي لها حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديواني أحببْ بروحك لا بالجسمِ والبدنِ @الجميع