كوابيس:قصة قصيرة للقاصة العراقية الكبيرة ليلى المرّاني من العراق

كوابيس.. / قصة قصيرة ليلى المرّاني/ العراق في عمق عينيك يا أخي نظرت.. هل كنت خائفة.. مرتعبة أو مشفقةً عليك؟ حاولت جهدك أن تتماسك، لم تنظر نحوي، كان بإمكاني أن أصرخ، أن أهرب من أمامك، فتكون رصاصة غضبك وشرفك المهدور في ظهري، وقد لا أموت، وقد أبقى أتعذب أمامك مشلولةً كسيحة وأعذب ضميرك.. لكنني اختصرت لك الطريق، مرتجفةً، راضية أن تنهي عذابك وعذابي. للحظةٍ، رأيت ارتعاشة يدك وأنت تصوّب رسالة الموت نحو صدري، أغمضت عينيّ كي لا ترى نزف دموعي.. وبكلّ حبي لك، وبكل خوفي وكل يقيني أنك تظلمني؛ دعوت الله أن ترمي سلاحك وتعتقني.. وبكل غضبك وجبروتك، واتهامات قاتلة ملأت سمعك وأوغرت صدرك، أطلقت رصاصتك، وسقطت براءتي تحت قدميك تنتحب، معفّرةً بدماء لن تنظف يا أخي، أراها الآن وأنا أرقبك كسمكةٍ تتقلب على رمال شاطئ مهجور، وقطرات من دمي تلوّث وسادتك. سؤال ما يزال يضجّ في رأسي ويعذبني، أمي، هل كانت طرفاً في مسرحية غسل العار؟ دعني أطوف عليها في فراشها، وأحكي لك لاحقاً عن العار الذي تعتقدون أني ألحقته بكم؛ فأصدرتم حكماً بإعدامي، حتى قبل أن تسمعوني. أمي.. نائمةٌ أنت أم تتعذبين؟ أرى دموعك، أستشعر لهيبها يحرق وجهك، سأرتشفها بشفتيّ، صورتي هذه حين كنت صغيرة تضعينها الآن جنب رأسك؟ لمَ يا حبيبتي لا تضعين آخر صورةٍ لي، تحبينها وترددين" إنك أحلى من القمر يا ابنتي؟ "، هل تخافين من غضب أخي؟ أتشعرين بوجودي الآن منحنيةً أقبلك؟ سأتسلّل تحت غطائك، أنام إلى جانبك كما كنت صغيرة، اشتقت لدفء حضنك يا أمي. أتعرفين، لم أتألم حين اخترقت الرصاصة قلبي ومزقته، طلقة الرحمة كانت، ولكن ألف رصاصةٍ نخرت جسدي وروحي وأنت تقولين في المحكمة وتقسمين.. كان ينظف مسدسه الفارغ، فانطلقت رصاصة منه وقتلتني. أعلم جيداً أنك ترددت ألف مرة قبل أن تطمسي الحقيقة.. أخي قتلني بكل إصرار وبدم بارد، سمعت شهقتك وأنت تبتلعين كذبتك، وجيراننا بتعاطف كبير يهزون رؤوسهم مؤيدين،" غسلاً للعار، تستحق القتل ". أسمع أصواتهم مكتومةً في صدورهم تنعق. طفت حولكم جميعاً، أنت وأخي، وتلك الوجوه القاسية تحيط بكم، حاملةً قلبي الممزق بيدي، وهتفت بأعلى صوتي.. " أنا صابرين، من رحم أمي خرجت طاهرةً نقية، وإلى ربي صعدت، طاهرةً نقية. " لكن صوتي المخنوق ضاع في زحمة التصفيق والتهليل ببراءة أخي. صابر...ين، هذا الأسم الذي أشقاني، كنتِ مصرةً أن تطلقيه عليّ، رفست في بطنك، متشبثةً أقاومك وأنت بإصرارٍ عدائيّ تحاولين لفظي من أحشائك، مصدومةً حدّ الجنون باستشهاد والدي في الحرب. رغم أن براءتي لم تعد تجدي نفعاً، لكنني أطالب بمحاكمة عادلة الآن، ثلاثتنا، أنت وأخي، وأنا شهود ومتهمون. دعوني أطلق صوتي الذي خنقتوه، فهو يعذّبني. تهمتي أنني أحببت، نعم أعترف بأني أحببت، صغيرة كنت، ستة عشر عاماً حين أحببته. وهبني حبّاً ملأ كياني وامتلك كل مشاعري، تعرفه أنت يا أخي... صديقتي التي رأيتها في أحضانك، تذوبان عشقاً، أخوها، نعم هو أخوها. أردت أن أذوب عشقاً أنا أيضاً في أحضانه كما فعلتما، وذبت. أماكن بعيدة لا أعرفها يأخذني، يمتص رحيق شفتيّ، فأشعر بخدرٍ لذيذ يشلّ مقاومتي، ويصورني حين يراني منتشيةً؛ فأضحك، ولكنني أفقت مرتعبةً حين أراد أن يمتلك جسدي، خفت وهربت. صوري لديه أصبحت قنبلةً موقوتة يهددني بها، " سأرسلها لأخيك "، فأبكي وأتوسل، واتفاق بيننا أن يكون آخر لقاء، يمنحني بعده حريتي وأدلّة اتهامي، صوري. كيف عرفت يا أخي بموعد ومكان لقائنا؟ كالقدر المشؤوم، عيناك تقدحان شرراً وجدتك أمامي، والصور في يدك، والحبيب هرب. من شعري سحبتني حتى البيت، وعيون الجيران متلصّصةً شامتة تراقب المشهد. لم أنطق بكلمة، هربت دمائي من شراييني، توسّلتك دموعي أن تغفر لي، ولكنك الآخر لم تنطق. كان ليلاً مرعباً وطويلاً، تتراقص فيه أشباح الموت والدم، أعقبته ثلاث ليالٍ أكثر رعباً، وأنا في غرفتي سجينةً انتظر حبل المشنقة يلتفّ حول رقبتي. بصمتٍ حزين تضع أمي طعاماً وماءً إلى جانبي، تتحاشى النظر إليّ، وجهها ممتقع ويداها ترتجفان؛ فأوقن أن محاكمةً سرية تعقدانها معاً، وسيصدر الحكم عن قريب… وصدر. " يا ابنتي، ياقطعة من روحي سلبت، بل روحي كلها ماتت معك. لا أعرف غير حقيقة واحدة، نظرات جيراننا المستنكرة، الحانقة، مشبّعة بالاتهام والسخرية يحرقون بها جسد أخيك كألسنة أفاعٍ سامة… " رأى أخته عاريةً وبالجرم المشهود في أحضان رجل، ويفتل شاربيه، لا عاشت شواربٌ معفّرة بالرذيلة "، ويبصقون. الهمس أصبح صاخباً يعوي كذئاب مسعورة.. الألسن يا صابرين أصبحت سكاكين حادة تمزق أجسادنا وأرواحنا. أخوك، ولثلاثة أيام لم يغادر البيت، الأرق أصبح غولاً يجثم على صدره. أراه يطوف في أرجاء البيت ليلاً، يزفر حمماً من الجحيم، غارقاً ببحر من دخان سجائره. خرجت في اليوم الرابع وهمت في الشوارع أبكي، وظلال الموت تلاحقني.. " __إذن كنت يا أمي تعرفين أنه سينفذ حكم الإعدام بي في ذلك اليوم، فهربت.. الآن دورك يا أخي، شهادة صادقة أطلبها منك، أريدك أن تزيح جبال الحزن عن كاهلك، وتنام. يومياً أطوف حولك، تتقلّب أراك، وأحياناً تقفز من فراشك مرتعباً، وتبكي، تنظر إلى يديك، تمسحهما بعنف بجدران غرفتك، أتألم عليك وأصيح، " لن تزول دمائي، وشماً أصبحت على يديك.. " "_ أنت تعلمين يا صابرين كم أحبك، أصبحت لك أباً حين قتل والدنا في الحرب، أجهضت محاولات أمي وإصرارها في اسقاطك من رحمها، توسلتها أن تحتفظ بك فقد كنت وحيداً. فارق العمر بيننا فقط ست سنوات، ولكن إحساساً ملأني حين ولدتِ بأنني كبرت عشرين عاماً، وأباً لك أصبحت، محور حياتي كنت، جميلةً، رقيقة كسحابة صيفٍ بيضاء نقية. ملتصقةً بي أينما ذهبت، وفجأةً تغير الحال، ومن صديقتك التي كانت عشيقتي وهجرتها، عرفت أنك تختلين بأخيها. آخر مرة رأيتك فيها، باكيةً، ذليلة تتوسلين، وصورك في يده يعبث بها ويضحك، رماها في وجهي حين رآني وهرب. تتبّعتك حين تخرجين متلصصةً، تتلفتين، تغلي الدماء في عروقي، تكاد تنفجر، رافضاً أن ترتمي أختي الصغيرة، إبنتي، في أحضان رجلٍ يعبث ببراءتها. ثلاثة أيامٍ يا صابرين كانت جحيماً اصطلي به، قلبي يتمزق، بين أن أحتضنك وإلى صدري أضمك، ملاكاً بريئاً يغتسل بضوء القمر، كما عهدتك، وأن أخلصك من شيطانٍ تلبسك ولوّث براءتك. دموعك، ونظراتك التائهة زادتني غلياناً، وصمتك حطم كل جدران تحملي، واستسلام أمي وحزنها الصامت ألهب مشاعري غيظاً،ارتجفت يدي، وللحظةٍ كنت سأرمي سلاحي وأهرب حين التقت عيناي بعينيك المستسلمتين، لو نطقت حرفاً، لو قلت، لا يا أخي؛ لكنت صوبت مسدسي إلى قدمي. عَذَابٌ طحنني وطحنك، أنهيته وأنا أرتجف… " —. سأحمل دموع أمي وشهقات أنفاسك يا أخي، وأرحل

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكمت نايف خولي هو الإنسان تأمَّلْ هذه الدُّنيا وراقبْ ..... بعين النَّاقدِ الحرِّ البصيرِ ترَ الأشياءَ توغِلُ في التَّخفِّي ..... تغورُ وتنطوي خلف القشورِ وتربضُ في كهوفِ الغيبِ تهفو ..... لملاّحٍ ومكتشفٍ خبيرِ عليمٍ في البواطنِ والخفايا ..... يشقُّ بسيفِه جلَدَ الستورِ يُطِلُّ على الحقيقةِ دون لُبْسٍ ..... ويجلو ما تلبَّسَ من أمورِ *** هو الإنسانُ ينشأُ من ترابٍ ..... كأيَّةِ بقلةٍ أو قردِ غابِ ومن أملاحِه يقتاتُ ينمو ..... ويقوى في المداركِ واللُّبابِ ويبدأُ بالتَّمايُزِ والتَّرقي ..... فيفتحُ للتَّطوُّرِ ألفَ بابِ يطالعُ في الطَّبيعةِ ما تبدَّى ..... فينظُمُه علوماً في كتابِ ويخلقُ من هَباءِ الأرضِ كوناً ..... يفوقُ ويعتلي كونَ الترابِ *** هو الإنسانُ مخلوقٌ طموحٌ ..... إلى العلياءِ يحلُمُ بالصعودِ يَحوكُ من التُّرابِ جناحَ نورٍ ..... ليعبُرَ سابراً لُغزَ الوجودِ يحطُّ على الكواكبِ في شموخٍ ..... وعقلٍ شاخصٍ صوبَ الخلودِ ينقِّبُ في زوايا الكونِ بحثاً ..... وتمحيصاً عن الأصلِ التَّليدِ يُحسُّ بذاتِه فرداً فريداً ..... يُغايرُ جوهراً نسلَ القرودِ *** هو الإنسانُ أبدعَ كلَّ فنٍّ ..... علومٌ جمَّةٌ أدبٌ جميلُ وموسيقى وتصويرٌ ونحتٌ ..... وهندسةٌ فبنيانٌ جليلُ وأخرجَ من بطونِ الأرضِ زيتاً ..... فعمَّ بفضلِه الخيرُ الجزيلُ أضاءَ بنورِه عتمَ الدَّياجي ..... فشعَّ اليُسرُ والدِّفءُ العليلُ وأخصبتِ الحقولُ جنىً شهيّاً ..... فسادَ الرَّغدُ والعيشُ الأسيلُ *** هو الإنسانُ خَلْقٌ لا يُجارى ..... يسودُ على الطَّبيعةِ والوجودِ فمن طينٍ وبعضٍ من موادٍ ..... يصوغُ عجائبَ العقلِ الفريدِ يُغيِّرُ وجهَ كوكبِنا ويمضي ..... يجدُّ السَّيرَ للكونِ البعيدِ ويحملُ بين جنبيهِ الأماني ..... وأشواقاً إلى الوطنِ السَّعيدِ وأحلاماً بكشفٍ للخفايا ..... يُعيدُ له الأصالةَ من جديدِ *** بربِّك يا أخي هل هذا قردٌ ؟..... حفيدُ بهيمةٍ نسلُ القرودِ ؟ فيغزلُ من أديمِ الأرضِ فكراً ..... يجوزُ به متاهاتِ الحدودِ يَشيدُ حضارةً تزدادُ زهواً ..... يَزينُ بدُرِّها صدرَ الوجودِ يَسنُّ شرائعاً، نُظُماً وعلماً ..... بها يحبو إلى الكونِ الأبيدِ إلى الآفاقِ حيثُ النُّورُ يجلو ..... ظلامَ الجهلِ والفهمِ البليدِ *** أرى في العقلِ لمْحاً من إلهٍ ..... توارى خلف أسدالِ الضَّبابِ وما الصَّلدُ البليدُ سوى سرابٍ ..... تكثَّفَ آخذاً صورَ النِّقابِ ليحجُبَ عن مداركِنا وجوداً ..... نراه مُموَّهاً نهبَ ارتيابِ يبينُ ويختفي في كلِّ آنٍ ..... عصيَّ الفهمِ مشكولَ الجوابِ يراه أخُ البصيرةِ دون لُبْسٍ ..... فينحو سالكاً سُبلَ الصوابِ هو الانسان حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديوان حلمي أهيم مع الفراشِ

حكمت نايف خولي هدِّيء من الخفقان هدِّيءْ منَ الـَخفـَقان ِ يا َقـلـْبي الجريح ْ شابَ الزَّمان ُ وآنَ لـي أن أسْـتـَريــحْ فـي كـُلِّ يَـوم ٍ مـن حَـياتـِك َ عـاشِــقٌ يمْـضي وتـَبـْقى في مَكانـِك َ كاكسـيح ْ ـــــ هدِّيءْ مِنَ الخـَفـَقان أذ بَـلـْتَ المُقـَل ْ وَحَشَرْت َفي َصدْري جُيوشا ًمن عِلل ْ أنـْبَتَّ في روحي َغـرامـا ً قــاتِـــلا ً فـَغـَدَوتُ من َخمْر ِ الأحبـَّة ِ كالـثـَّمِـل ْ ــــــ هَدِّيءْ منَ الخَـفـَقان ِ إيَّاك َ الـهَـوى يا خافقي فغـَدا ً ُتـعَذ َّب ُ بالنـَّــوى واسْدِ لْ على المـاضي سِتارا ًعاتـِما ً إياكَ أن تهوى فيقتلكَ الجوى ــــــــ هدِّيءْ من الخفقان ِلا تهْوى امْـتِثال ْ فغـَرامُها يا قلبُ ضرب ٌ مـن َمحال ْ هيَ في َسماءِ الـحُـبِّ بـدر ٌ شـــارد ٌ وأنا أسيرُ الأرْض ِ مَصْفود ُالخـَيال ْ هدّيءْ حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديوان للروح أزاهير وثمار

حكمت نايف خولي روحي لها روحي لها والقلبُ معبد حبِّها وأنا الشهيدُ ذبيحُ فتكِ عيونها وأنا المعذَّبُ صامتٌ متوجعٌ حتى الأنين كتمته من أجلها والآخُ تخنقني وتكوي مهجتي فألوذُ منهوكاً أرتلُ باسمها هيَ ربتي وأنا المتيمُ خاشعاً أرنو إليها حالماً بحنانها في مجمرِ الأشواقِ يحرقني الجوى أتلو صلاةَ العشقِ مسحوراً بها وحدي مع الأحزان يجلدني الأسى والحلْمُ يوهمني بقربِ لقائها أشتاقها أهفو إليها ظامئاً لرحيقِ مبسمها وريقِ شفاهها خمرٌ معتَّقةٌ تشلُّ مداركي فأغلُّ مخمور النُّهى في حضنِها تتشابكُ الآهاتُ شوقاً جارفاً فأذوبُ أفنى في لهيبِ وصالها وعلى رموش النور احمل ربتي فإلى السما نرتاح في اخدارها روحي لها حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديواني أحببْ بروحك لا بالجسمِ والبدنِ @الجميع