رقصة حب أخيرة:للقاصة المبدعة ليلى المرّاني من العراق

رقصة حبّ اخيرة.../. قصة قصيرة ليلى المرّاني/ من العراق لا يزال الأرق اللعين يمارس لعبته الخبيثة معها، تغطّي رأسها؛ تجده متربّصاً لها يضحك ساخراً تحت الغطاء، أصبح سوطاً بيد مجنون، يجلدها متلذِّذاً كلّ ليلة، وحين لا تجد مفرّاً سوى أن تستسلم؛ تهاجمها قوافل ذكرياتٍ تحاول نسيانها.. تشعر بحياتها مملّةً أقرب إلى اللاجدوى، تحاول أن تستعيد نفسها، تبعثر نظراتها في أرجاء غرفتها الصغيرة؛ فتطالعها صورة بيتها الواسع وحديقته الغنّاء، وزوج تركها وثلاثة أطفالٍ ورحل مبكّراً، تطلق حسرةً على أيّام عزّ مضت. أمامها مرآةٌ تعكس ساخرةً وجهها المكتئب، وثمة كتب منسيّة وشمعة خضراء تآكل نصفها، تتطلّع مليّاً في صورةٍ لها بالأبيض والأسود، معلّقةً على الحائط، تنهض وترفعها، تمعن النظر فيها ثمّ إلى وجهها في المرآة، يشهق جسدها متحسّراً.. ياه!.. كم تغيّرتُ، أين ذلك العنفوان وتلك النضارة؟ تسرح بعيداً بأفكارها، ثمّ تعاودها فكرة راودتها منذ حين، سمعت ابنتها وصديقتها تتحاوران.. - لا أدري ماذا أفعل بملابس والدتي وأغراضها الأخرى .... تقول الصديقة -إبعثيها إلى الجمعيّات الخيريّة... تقول ابنتها - والصور؟ هناك المئات من الصور القديمة. - أحرقيها... - كيف؟ قلبي لا يطاوعني، صورنا أنا وأخوتي حين كنّا صغاراً، صور للعائلة وللأجداد... هههه، وأجداد الأجداد.. تضحك ابنتها…. - اعرضيها في المتحف - أتسخرين؟ - وماذا عسايَ أن أقول؟ أنا مثلكِ حائرة….هل نسيتِ أنّ أمّي هي الأخرى في أيامها الأخيرة؟ ماذا سأفعل ولديها مئات الصور وأشياء اخرى تخصّها؟ تبتلع ريقها علقماً، تتحسس بطنها الذي يحمل قنبلةً موقوتة لا تدري متى تنفجر وقد هدّها المرض الخبيث، تجول دموع في عينيها، تتذكّر صندوقها الذي استحال لونه إلى تراب، تمدّ يدها تحت السرير، تكاد تسقط.. وبكلّ جهدها المتخاذل ترفعه.. " العمر يمضي مسرعاً خطاه…" تختنق بغصّة طعمها موت ومرارة... .." ماذا سأترك لأولادي؟ لا شيء غير هذا الصندوق العتيق ومئات صورٍ لا تهمّهم بشيء.." تنشرها على فراشها، صور عائلية قديمة فقدت ألوانها، وتآكل بعضها، كانت قد أرشفت معظمها حسب تواريخها وشخوصها، يخترق سمعها صوت ابنتها وهي تضحك ساخرةً " اعرضيها في المتحف ..." فيضحك صوتٌ في المرآة، " نعم، ماذا سيفعلون بها، هم يؤرشفون أيامهم وأعيادهم وحتى ضحكاتهم على أجهزتهم الذكيّة، لم يعد للصور الورقيّة حيّز في عالمهم الذي يلهث وراء كلّ جديد.. سيتخلّصون من هذا الإرث الثقيل.." - كيف؟.. - يحرقونها.. يهبونها إلى الجمعيّات الخيريّة مع ملابسك وبقايا عطورك.. أو ربما... - ربما ماذا؟.. ينشب خلاف بينهم بسبب هذه الصور اللعينة؟ إذن سأعفيهم من هذه المهمة الصعبة، سامزّق الصور وأحرقها.. - تفتح ظرفاً بعد الآخر، تتأمّل ما بداخله، تتوقّف طويلاً عند ظرفٍ كبير متخم بصور أولادها.. هذه ندى وهي تتأرجح بخطواتها الأولى.. وميض،عائدًا من المدرسة ببدلته الزرقاء في يومه الدراسيّ الأول.. وهذه تينا حبيبتي في عامها الأول.. ويقع نظرها على صورةٍ تلهب مشاعرها، أوّل يوم في بيتهم الجديد، محتضنةً أولادها وزوجها يقف خلفهم يحتضنها بحبّ.. تناثرت حبّات دمعٍ ساخنة فوق الصورة؛ مسحتها بشفتيها.. الظرف الآخر .. وفيه صورها في الجامعة، تتأمّلها الواحدة بعد الأخرى.. آه.. كزهرةٍ بريّة جميلةٍ كانت، تحوم حولها أسراب النحل، ترتسم على وجهها ابتسامةُ طفلة حين تذكر كيف كانت تتعمّد إظهار مفاتنها في الصور، كي تثير غيرة صديقاتها، ورغبة الذكور فيها... يعود من جديد ذلك الشعور الذي سيطر عليها ويشعرها بالعدم، الخطوات تسارع بعضها إلى محطتها الأخيرة بعد أن هدّها المرض الخبيث. بيدٍ مرتجفة، تخرج صورته.. ياااااه.. كم من العمر مضى منذ أن أطلق الحبيب ساقيه للريح حين سمع قرقعة سيوف الأهل وخناجرهم، معلنةً رفضه زوجاً لها..! لا يزال بعض نبضٍ في القلب يهفو إليه، تحمل الصورة، تضعها على موضع القلب.. بحركاتٍ مرتعشة بطيئة ترقص معه.. تدور الغرفة بها.. وتدور معها، تطبق جدرانها عليها، فتسقط محتضنةً حبيبها الذي هرب..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكمت نايف خولي هو الإنسان تأمَّلْ هذه الدُّنيا وراقبْ ..... بعين النَّاقدِ الحرِّ البصيرِ ترَ الأشياءَ توغِلُ في التَّخفِّي ..... تغورُ وتنطوي خلف القشورِ وتربضُ في كهوفِ الغيبِ تهفو ..... لملاّحٍ ومكتشفٍ خبيرِ عليمٍ في البواطنِ والخفايا ..... يشقُّ بسيفِه جلَدَ الستورِ يُطِلُّ على الحقيقةِ دون لُبْسٍ ..... ويجلو ما تلبَّسَ من أمورِ *** هو الإنسانُ ينشأُ من ترابٍ ..... كأيَّةِ بقلةٍ أو قردِ غابِ ومن أملاحِه يقتاتُ ينمو ..... ويقوى في المداركِ واللُّبابِ ويبدأُ بالتَّمايُزِ والتَّرقي ..... فيفتحُ للتَّطوُّرِ ألفَ بابِ يطالعُ في الطَّبيعةِ ما تبدَّى ..... فينظُمُه علوماً في كتابِ ويخلقُ من هَباءِ الأرضِ كوناً ..... يفوقُ ويعتلي كونَ الترابِ *** هو الإنسانُ مخلوقٌ طموحٌ ..... إلى العلياءِ يحلُمُ بالصعودِ يَحوكُ من التُّرابِ جناحَ نورٍ ..... ليعبُرَ سابراً لُغزَ الوجودِ يحطُّ على الكواكبِ في شموخٍ ..... وعقلٍ شاخصٍ صوبَ الخلودِ ينقِّبُ في زوايا الكونِ بحثاً ..... وتمحيصاً عن الأصلِ التَّليدِ يُحسُّ بذاتِه فرداً فريداً ..... يُغايرُ جوهراً نسلَ القرودِ *** هو الإنسانُ أبدعَ كلَّ فنٍّ ..... علومٌ جمَّةٌ أدبٌ جميلُ وموسيقى وتصويرٌ ونحتٌ ..... وهندسةٌ فبنيانٌ جليلُ وأخرجَ من بطونِ الأرضِ زيتاً ..... فعمَّ بفضلِه الخيرُ الجزيلُ أضاءَ بنورِه عتمَ الدَّياجي ..... فشعَّ اليُسرُ والدِّفءُ العليلُ وأخصبتِ الحقولُ جنىً شهيّاً ..... فسادَ الرَّغدُ والعيشُ الأسيلُ *** هو الإنسانُ خَلْقٌ لا يُجارى ..... يسودُ على الطَّبيعةِ والوجودِ فمن طينٍ وبعضٍ من موادٍ ..... يصوغُ عجائبَ العقلِ الفريدِ يُغيِّرُ وجهَ كوكبِنا ويمضي ..... يجدُّ السَّيرَ للكونِ البعيدِ ويحملُ بين جنبيهِ الأماني ..... وأشواقاً إلى الوطنِ السَّعيدِ وأحلاماً بكشفٍ للخفايا ..... يُعيدُ له الأصالةَ من جديدِ *** بربِّك يا أخي هل هذا قردٌ ؟..... حفيدُ بهيمةٍ نسلُ القرودِ ؟ فيغزلُ من أديمِ الأرضِ فكراً ..... يجوزُ به متاهاتِ الحدودِ يَشيدُ حضارةً تزدادُ زهواً ..... يَزينُ بدُرِّها صدرَ الوجودِ يَسنُّ شرائعاً، نُظُماً وعلماً ..... بها يحبو إلى الكونِ الأبيدِ إلى الآفاقِ حيثُ النُّورُ يجلو ..... ظلامَ الجهلِ والفهمِ البليدِ *** أرى في العقلِ لمْحاً من إلهٍ ..... توارى خلف أسدالِ الضَّبابِ وما الصَّلدُ البليدُ سوى سرابٍ ..... تكثَّفَ آخذاً صورَ النِّقابِ ليحجُبَ عن مداركِنا وجوداً ..... نراه مُموَّهاً نهبَ ارتيابِ يبينُ ويختفي في كلِّ آنٍ ..... عصيَّ الفهمِ مشكولَ الجوابِ يراه أخُ البصيرةِ دون لُبْسٍ ..... فينحو سالكاً سُبلَ الصوابِ هو الانسان حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديوان حلمي أهيم مع الفراشِ

حكمت نايف خولي هدِّيء من الخفقان هدِّيءْ منَ الـَخفـَقان ِ يا َقـلـْبي الجريح ْ شابَ الزَّمان ُ وآنَ لـي أن أسْـتـَريــحْ فـي كـُلِّ يَـوم ٍ مـن حَـياتـِك َ عـاشِــقٌ يمْـضي وتـَبـْقى في مَكانـِك َ كاكسـيح ْ ـــــ هدِّيءْ مِنَ الخـَفـَقان أذ بَـلـْتَ المُقـَل ْ وَحَشَرْت َفي َصدْري جُيوشا ًمن عِلل ْ أنـْبَتَّ في روحي َغـرامـا ً قــاتِـــلا ً فـَغـَدَوتُ من َخمْر ِ الأحبـَّة ِ كالـثـَّمِـل ْ ــــــ هَدِّيءْ منَ الخَـفـَقان ِ إيَّاك َ الـهَـوى يا خافقي فغـَدا ً ُتـعَذ َّب ُ بالنـَّــوى واسْدِ لْ على المـاضي سِتارا ًعاتـِما ً إياكَ أن تهوى فيقتلكَ الجوى ــــــــ هدِّيءْ من الخفقان ِلا تهْوى امْـتِثال ْ فغـَرامُها يا قلبُ ضرب ٌ مـن َمحال ْ هيَ في َسماءِ الـحُـبِّ بـدر ٌ شـــارد ٌ وأنا أسيرُ الأرْض ِ مَصْفود ُالخـَيال ْ هدّيءْ حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديوان للروح أزاهير وثمار

حكمت نايف خولي روحي لها روحي لها والقلبُ معبد حبِّها وأنا الشهيدُ ذبيحُ فتكِ عيونها وأنا المعذَّبُ صامتٌ متوجعٌ حتى الأنين كتمته من أجلها والآخُ تخنقني وتكوي مهجتي فألوذُ منهوكاً أرتلُ باسمها هيَ ربتي وأنا المتيمُ خاشعاً أرنو إليها حالماً بحنانها في مجمرِ الأشواقِ يحرقني الجوى أتلو صلاةَ العشقِ مسحوراً بها وحدي مع الأحزان يجلدني الأسى والحلْمُ يوهمني بقربِ لقائها أشتاقها أهفو إليها ظامئاً لرحيقِ مبسمها وريقِ شفاهها خمرٌ معتَّقةٌ تشلُّ مداركي فأغلُّ مخمور النُّهى في حضنِها تتشابكُ الآهاتُ شوقاً جارفاً فأذوبُ أفنى في لهيبِ وصالها وعلى رموش النور احمل ربتي فإلى السما نرتاح في اخدارها روحي لها حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديواني أحببْ بروحك لا بالجسمِ والبدنِ @الجميع