المتحذلق:قصة قصيرة للقاصة العراقية المتألقة ليلى المرّاني

المتحذلق.../ قصة قصيرة ليلى المرّاني/ العراق أصبح حضوره من الثوابت التي اعتادها رواد مقهى - الواحة - الذي يقع في نهاية شارع طويل تحفّ به من الجانبين أشجار الكالبتوس والدفلى، يخترق وسط المدينة منعطفاً إلى ساحة ترابية واسعة اتخذها أولاد الحيّ ملعباً لكرة القدم، كان عليه أن يمرّ بهذه الساحة ويسمع تعليقات الصغار وضحكاتهم الصاخبة وهم يشيرون إليه بأصابعهم، يسحب قبّعته السوداء على وجهه ويحثّ الخطى مبتعداً وهو يلعنهم، يدخل المقهى، يبعثر نظراته في أرجائها متفحّصاً، أحدهم يهمس لزميله، " ها قد حضر ذو القبعة السوداء ! " يتّخذ مكانه المعتاد، يضع حقيبته السمسونايت المهترئة على المنضدة، ويشير بإصبعه إلى النادل بحركة مسرحيّة، " شاي وسكّر زيادة.." ، يحتفظ على كتفيه بمعطفه الأسود الطويل الذي يحاكي حقيبته قدماً، يفتل شاربيه الطويلين، ثم يبالغ في إظهار خصلات شعره المتدليّة من قبعته، تجوب نظراته المتفحّصة أرجاء المكان حتى تقع على الشاب النحيف الذي يقبع دوماً في زاوية المقهى سارحاً، وأمامه كتاب ضخم وحزمة أوراق وأقلام ملوّنة، وثمة قطةٍ سوداء ضامرة تتمسّح بقدمه، بازدراءٍ يتساءل، " ماذا تراه يرسم، ولماذا ينظر نحوي بين حينٍ وحين…؟! " سرعان ما تحلّقت حوله شلّة من روّاد المقهى الذين أصبحوا مرافقين له، ومنزلة خاصة أصبحت له في قلوبهم، وصلت حدّ الإيمان المطلق بكل ما يقوله ويدّعيه، رغم تساؤل حائر لا يجدون له إجابة، " من يكون هذا الرجل الغامض..؟! " شريف، أشدّهم إعجاباً وتحمّساً لمواعظه، حتى أنه كسر أنف زوجته يوماً حين طلب منها أن تلحق به إلى الفراش، رفضت إذ كانت ترضع صغيرها.." ألم يقل الأستاذ ثابت أن المرأة كالمهرة الجامحة، عليك ترويضها، حتى لو كسرت أنفها.."، ويفتل شاربيه الغزيرين.. أحدهم يسأله بفضول: — ماذا تحمل في حقيبتك، استاذ ثابت؟ ليتك تفتحها يوماً لنرى..! بشيء من الامتعاض، ينفث دخان سيجارته في وجوههم، ثم بصوتٍ مخدوش يغمره غموض مفتعل: — أشياء كثيرة.. سقراط، كونفشيوس، سارتر، المعرّي، مارلين مونرو، طه حسين، الحلاج، دي كارت، ابن بطوطة، ماركس، جاسم أبو الطلايب، وحتى حسنة ملص…( ١ ) يصيبهم الذهول، ونظرات متسائلة تنغرز في وجهه، بانفعال يهتف أحدهم، — حتى حسنة ملص..؟ يفتل شاربيه بزهو، وتنزلق الكلمات من فمه ،— نعم، نعم، حتى حسنة ملص، وحتى بدرية الدگاگة…! ويقهقه بصوت كالرعد؛ فيجاريه الآخرون وابتسامات بلهاء تفترس وجوههم، يتساءل أحدهم بسذاجة، — من هي حسنة ملص...؟ فيتغامز الآخرون، وتعلو قهقهاتهم، ينهض الشاب المنزوي مغادراً، يلتفت ناحيتهم ويرمي ورقة ملفوفةً على منضدتهم، تتلاقفها الأيدي، لكن يد الأستاذ ثابت كانت الأسرع، يفتحها، ينظر بإمعان إلى الوجهين المرسومين على الورقة؛ وجه امرأةٍ في مقتبل العمر، مطليّ بأصباغ صارخة وقد كشف ثوبها عن نصف نهديها وهي تغمز بعينها اليسرى، إلى جانبها وجه امرأةٍ عجوز نخرت التجاعيد وجهها، لم تستطع الأصباغ أن تخفي ذبول وشحوب بشرتها، وغمزة عينها اليسرى تكاد تسقط في فمها، تحتهما كتب بخطّ أحمر، - حسنة ملص، قبل.. وبعد.. - تغمره الدهشة، يهتف الأستاذ ثابت، — من هذا الشاب...؟ — عاصم، ابن الحاج محمود، التاجر المعروف، طالب جامعي فاشل، لكنه يعشق الرسم.. آخر يقول:— أجبره والده على دخول كلية الإدارة والاقتصاد كي يساعده في إدارة أعماله.. ولكن، كما ترى..! ويقلب شفتيه ساخراً، يدقّق الاستاذ ثابت في الوجهين، وينطلق صوته وكأنه يلقي موعظةً مهمّة.. — يا للمرأة..! كم فيها من خداع ومكر.. ثمّ بمرارة مفتعلة:— جميع النساء أفاعٍ ملساء ناعمة، لا تعرف متى تغرز نابها في رقبتك وتنفث سمومها.. يتحسّس الرجال رقابهم بامتعاض..! — ألم تتزوّج، أستاذ ثابت..؟ — أنا..؟ معاذ الله، كيف أضع رقبتي تحت سيف جلّاد؟ كيف أنام الليل وإلى جانبي أفعى سامّة، لا أدري متى تنفث سمومها في جسدي..؟! ويتململ الأصحاب، وتقفز إلى رؤوسهم صور زوجاتهم أفاعٍ سامّة تنتظر فرصتها للانتقام، يوزّع نظراته ساخرة على وجوههم وقد تهدّلت شفاههم وضجّت دماؤهم في عروقهم حدّ الوجع، يفتل شاربيه الطويلين بفخر، كطاووس أمام أنثاه، وبصوتِ تقصّد أن يسمعه كلّ من في المقهى، — عليكم أن ترعبوا هذه الأفاعي.. — كيف...؟ — أطلقوا شواربكم، دعوها تغطّي ذقونكم.. ويبتسم بخبث،— المرأة ترعبها الشوارب الطويلة، تحسب لها ألف حساب .. فجأةً، يغيب الاستاذ ثابت، يوم، يومان، ثلاثة؛ فيقلق الأصحاب ويتساءلون، لا أحد يعرف له طريقاً، كنبتةٍ شيطانيّة انغرس بينهم يوماً دون سابق إنذار، لم يشأ أن يطّلع أحد على خصوصياته، ومنها محلّ سكناه. كان يوماً عاصفاً يكاد يقتلع أشجار الكالبتوس، وأشجار الدفلى حنت رؤوسها صاغرة، البيوت تغرق بعتمة ليلٍ موحش، والبرد أخذ يتسلّل إلى العظام، والرفاق ما زالوا ينتظرون.. — ماذا حدث للأستاذ ثابت، منذ أيامٍ لم يظهر… يضحك الشاب الفنان في سرّه هازئاً، " لو تعلمون.. آه، لو تعلمون..!" — ألا يعرف أحدكم له طريقاً..؟ يتساءل أحدهم ينظرون إلى بعضهم، ينفخون دخان سجائرهم كثيفاً، يثقل فضاء المقهى الصغير، تتحشرج أنفاس ابن الحاج محمود، يختنق بنوبة سعالٍ حاد، ويلعنهم، يحمل أوراقه وكتابه، يقف متثاقلاً أمامهم، — هل ترغبون بزيارته..؟ — مَن..؟ — الأستاذ ثابت، مَن غيره..! في طريقهم إليه، يلزمهم صمت ولهاث مذعور، وعصف الريح يعوي كذئاب مسعورة، يكاد يقتلعهم، وسؤال أبله يفترس وجوههم المتقلّصة، لكنه يبقى حبيساً في أفواههم، " كيف عرف هذا الشاب المتعجرف طريق الأستاذ ثابت..؟" في دار عتيقة يسكنها زوجان مسنّان، كانت غرفته، الباب نصف موارب، ينبعث مزيج من روائح نفّاذة تزكم الأنوف، يدخل عاصم أولاً، ثم وبخطىً متردّدة يدخل الآخرون، ضوء خافت ينبعث من مصباح صغير يتدلّى من السقف، علب سجائر وزجاجات بيرة فارغة تتناثر في الارجاء. تستقرّ الأعين المتسائلة، الباحثة بلهفة على سريرٍ خشبيّ، يقتربون أكثر.. يا للهول!.. الأستاذ ثابت عارٍ تماماً مستلقٍ على ظهره، رأسه كبير أملس كصحراءٍ جرداء لا زرع ولا نبت! عيناه منتفختان تهيمان في سماء الغرفة، وشارباه الكثّان الطويلان إلى جانبه على الوسادة، وقطعة ملابس نسائيّة تنام معه..! حقيبته السوداء المهترئة فاتحة فمها وقد لفظت أحشاءها: قطع ملابس نسائية داخليّة، بعض أدوات زينة، قنينة عطر رخيص وباروكة رجالية سوداء..! يتحسّسون شواربهم التي غطّت شفاههم وتدلّت تعانق ذقونهم ساخرة، تلتقي أعينهم باستغراب على جدران الغرفة، صور نساءٍ عاريات وشبه عاريات تغطّيها، يتوسّطها پوستر كبير لامرأةٍ عارية، يشعّ بريق مخيف من عينيها الصفراوين، تلتفّ حول جسدها أفعىً سوداء ضخمة، تضع رأسها بخنوع فوق عنق المرأة… ———————————————————————————————— (١ ) حسنة ملص كانت أشهر بغايا بغداد في الخمسينيات من القرن الماضي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكمت نايف خولي هو الإنسان تأمَّلْ هذه الدُّنيا وراقبْ ..... بعين النَّاقدِ الحرِّ البصيرِ ترَ الأشياءَ توغِلُ في التَّخفِّي ..... تغورُ وتنطوي خلف القشورِ وتربضُ في كهوفِ الغيبِ تهفو ..... لملاّحٍ ومكتشفٍ خبيرِ عليمٍ في البواطنِ والخفايا ..... يشقُّ بسيفِه جلَدَ الستورِ يُطِلُّ على الحقيقةِ دون لُبْسٍ ..... ويجلو ما تلبَّسَ من أمورِ *** هو الإنسانُ ينشأُ من ترابٍ ..... كأيَّةِ بقلةٍ أو قردِ غابِ ومن أملاحِه يقتاتُ ينمو ..... ويقوى في المداركِ واللُّبابِ ويبدأُ بالتَّمايُزِ والتَّرقي ..... فيفتحُ للتَّطوُّرِ ألفَ بابِ يطالعُ في الطَّبيعةِ ما تبدَّى ..... فينظُمُه علوماً في كتابِ ويخلقُ من هَباءِ الأرضِ كوناً ..... يفوقُ ويعتلي كونَ الترابِ *** هو الإنسانُ مخلوقٌ طموحٌ ..... إلى العلياءِ يحلُمُ بالصعودِ يَحوكُ من التُّرابِ جناحَ نورٍ ..... ليعبُرَ سابراً لُغزَ الوجودِ يحطُّ على الكواكبِ في شموخٍ ..... وعقلٍ شاخصٍ صوبَ الخلودِ ينقِّبُ في زوايا الكونِ بحثاً ..... وتمحيصاً عن الأصلِ التَّليدِ يُحسُّ بذاتِه فرداً فريداً ..... يُغايرُ جوهراً نسلَ القرودِ *** هو الإنسانُ أبدعَ كلَّ فنٍّ ..... علومٌ جمَّةٌ أدبٌ جميلُ وموسيقى وتصويرٌ ونحتٌ ..... وهندسةٌ فبنيانٌ جليلُ وأخرجَ من بطونِ الأرضِ زيتاً ..... فعمَّ بفضلِه الخيرُ الجزيلُ أضاءَ بنورِه عتمَ الدَّياجي ..... فشعَّ اليُسرُ والدِّفءُ العليلُ وأخصبتِ الحقولُ جنىً شهيّاً ..... فسادَ الرَّغدُ والعيشُ الأسيلُ *** هو الإنسانُ خَلْقٌ لا يُجارى ..... يسودُ على الطَّبيعةِ والوجودِ فمن طينٍ وبعضٍ من موادٍ ..... يصوغُ عجائبَ العقلِ الفريدِ يُغيِّرُ وجهَ كوكبِنا ويمضي ..... يجدُّ السَّيرَ للكونِ البعيدِ ويحملُ بين جنبيهِ الأماني ..... وأشواقاً إلى الوطنِ السَّعيدِ وأحلاماً بكشفٍ للخفايا ..... يُعيدُ له الأصالةَ من جديدِ *** بربِّك يا أخي هل هذا قردٌ ؟..... حفيدُ بهيمةٍ نسلُ القرودِ ؟ فيغزلُ من أديمِ الأرضِ فكراً ..... يجوزُ به متاهاتِ الحدودِ يَشيدُ حضارةً تزدادُ زهواً ..... يَزينُ بدُرِّها صدرَ الوجودِ يَسنُّ شرائعاً، نُظُماً وعلماً ..... بها يحبو إلى الكونِ الأبيدِ إلى الآفاقِ حيثُ النُّورُ يجلو ..... ظلامَ الجهلِ والفهمِ البليدِ *** أرى في العقلِ لمْحاً من إلهٍ ..... توارى خلف أسدالِ الضَّبابِ وما الصَّلدُ البليدُ سوى سرابٍ ..... تكثَّفَ آخذاً صورَ النِّقابِ ليحجُبَ عن مداركِنا وجوداً ..... نراه مُموَّهاً نهبَ ارتيابِ يبينُ ويختفي في كلِّ آنٍ ..... عصيَّ الفهمِ مشكولَ الجوابِ يراه أخُ البصيرةِ دون لُبْسٍ ..... فينحو سالكاً سُبلَ الصوابِ هو الانسان حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديوان حلمي أهيم مع الفراشِ

حكمت نايف خولي هدِّيء من الخفقان هدِّيءْ منَ الـَخفـَقان ِ يا َقـلـْبي الجريح ْ شابَ الزَّمان ُ وآنَ لـي أن أسْـتـَريــحْ فـي كـُلِّ يَـوم ٍ مـن حَـياتـِك َ عـاشِــقٌ يمْـضي وتـَبـْقى في مَكانـِك َ كاكسـيح ْ ـــــ هدِّيءْ مِنَ الخـَفـَقان أذ بَـلـْتَ المُقـَل ْ وَحَشَرْت َفي َصدْري جُيوشا ًمن عِلل ْ أنـْبَتَّ في روحي َغـرامـا ً قــاتِـــلا ً فـَغـَدَوتُ من َخمْر ِ الأحبـَّة ِ كالـثـَّمِـل ْ ــــــ هَدِّيءْ منَ الخَـفـَقان ِ إيَّاك َ الـهَـوى يا خافقي فغـَدا ً ُتـعَذ َّب ُ بالنـَّــوى واسْدِ لْ على المـاضي سِتارا ًعاتـِما ً إياكَ أن تهوى فيقتلكَ الجوى ــــــــ هدِّيءْ من الخفقان ِلا تهْوى امْـتِثال ْ فغـَرامُها يا قلبُ ضرب ٌ مـن َمحال ْ هيَ في َسماءِ الـحُـبِّ بـدر ٌ شـــارد ٌ وأنا أسيرُ الأرْض ِ مَصْفود ُالخـَيال ْ هدّيءْ حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديوان للروح أزاهير وثمار

حكمت نايف خولي روحي لها روحي لها والقلبُ معبد حبِّها وأنا الشهيدُ ذبيحُ فتكِ عيونها وأنا المعذَّبُ صامتٌ متوجعٌ حتى الأنين كتمته من أجلها والآخُ تخنقني وتكوي مهجتي فألوذُ منهوكاً أرتلُ باسمها هيَ ربتي وأنا المتيمُ خاشعاً أرنو إليها حالماً بحنانها في مجمرِ الأشواقِ يحرقني الجوى أتلو صلاةَ العشقِ مسحوراً بها وحدي مع الأحزان يجلدني الأسى والحلْمُ يوهمني بقربِ لقائها أشتاقها أهفو إليها ظامئاً لرحيقِ مبسمها وريقِ شفاهها خمرٌ معتَّقةٌ تشلُّ مداركي فأغلُّ مخمور النُّهى في حضنِها تتشابكُ الآهاتُ شوقاً جارفاً فأذوبُ أفنى في لهيبِ وصالها وعلى رموش النور احمل ربتي فإلى السما نرتاح في اخدارها روحي لها حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديواني أحببْ بروحك لا بالجسمِ والبدنِ @الجميع