ظلال مشردة:للكاتبة الجزائرية زهرة يبرم

 ظلال مشرد ة

بقلم: زهرة يبرم / الجزائر

كان مساء من الأماسي الأخيرة من عمر السنة الميلادية حيث يأخذ الصقيع أبعد مما توحي به الكلمة، والجو رمادي قاتم يخيم على المدينة ينبئ بموعد مع ليلة مثلجة. الهدوء المطبق يلف المكان المغطى برداء أبيض من الثلج، وهو كتلة آدمية تتحرك فوق الرصيف على غير هدى. عيناه تجولان ببريق غريب، تتفرسان في ملامح كل من يمر عبر الشارع العريض الشبه خالي من المارة، كـأنما تبحثان بينهم عن ضالة.

لقد غادر منذ زمن بعيد عالم الأحياء ليتطور في ضباب دائم. من سنين وهو يعيش في الأسفل، يعيش في الأنفاق، في البالوعات، في خراطيم القنوات، تحت الجسور وفي الحدائق العامة مع المشردين. حياته قلادة من الوساوس، مرحلة من مراحل الانهيار إن لم يكن الانهيار نفسه.

حين يمشي كأنه لا يعي لماذا؟ أو كيف؟ يجرفه الغالب الأعم من المارة في هذا الاتجاه أو ذاك، ويوقعه في خضم سيوله. لا يملك لنفسه فرصة التفكير فيما يفعل وكأن فكرة القطيع تسيطر عليه.

ثياب ممزقة متسخة، وشعر طويل أشعث مغبر مجنون. لحية غثة وفم غائر. وجه تعلوه طبقة من الدرن ومخترق على طوله بندبة منتفخة، مثقوب بعينين ضيقتين محقونتين بالدم وتتحركان ببريق نادر. عندما يقاطع الأطفال في الشارع يسارعون الخطى وبتلقائية يتباعدون. عادي جدا، إنه يعلم أنه مخيف، وأن رائحته درنا من بول ومن عرق.

اليوم هو ليس إلا ظلا متشردا. شبحا مغلفا بخرق ويتكلم هذيانا. يبحث عن شيء ضاع منه بلا جدوى. يتمالك نفسه واقفا بصعوبة. يجر نفسه أكثر منه يمشي، يترنح. إنه رجل بلا عمر كله سمك وقذارة.

فقد الشعور بسيف الوقت منذ زمن. ظلت الأيام تدور بدوران الأرض وظل يدور معها. أيام لا يعرف لا عدها ولا إشراق شمسها. لم يزل شابا ثلاثينيا، لكنه يبدو كأنما قد تخطى الخمسين بسنين.

صار ملقحا ضد نظرات الازدراء التي تشع من عيون الآخرين وتصفعه أنى سار واتجه. لم تعد تنكسر لها نفسه. بل صارت لامبالاته و لاوعيه يحميانه ضد الانكسار.

في الماضي كان له مسكن وله زوجة وحياة فكرية، لكن كل شيء ضاع منه، ويبدو أن ذلك كان منذ زمن بعيد. سنين منذ أن غادر الحياة الاجتماعية للإنسان وصار يعيش كما في حالة إسبات. اختفى عطر الأيام السعيدة في حجب السنين للأبد كأنه ما كان، ووضع على الماضي ستار.

في ذلك المساء المثلج أين بدأ كل شيء أو انتهى كل شيء لا فرق، رآها حين أطلت من ركن في أقصى الشارع تسير بخطى رشيقة على رصيف الجانب الآخر من الطريق، تتحسس همس الثلج حين يداعبه نعلاها بكعبيهما العاليين. تلف حول جسدها النحيل، كعود قصب السكر، معطف كاشمير أسود، وحول عنقها شال من الفرو الناعم. تنفخ من حين لآخر أنفاسها الحارة على يديها لتمنحهما الدفء.

على كتفها، في حقيبة جلدية، يغفو الماضي والحاضر وكثير من الأمنيات. أوراق ضمنتها حياتها التي عاشت وأحلامها المرتجاة، أوهامها المتخيلة وأمانيها المشتهاة.

لقد تعرف عليها. إنها هي مصدر كل خيباته. شلّته الصدفة، لكنه سرعان ما تدارك نفسه. فالحياة إما أن تكون مغامرة جريئة أو لا تكون. وهذه فرصته التي ضيع سنين من عمره في البحث عنها. عليه ألا يعجز، أن يستبد في تصرفه ليتغلب على ارتباكه. تحسس سلاحه الأبيض في جيب سرواله المهترئ، وتنفس عميقا لينفذ انتقامه منها. لكن في أهم تقاطعات الطرق في الحياة ليس هنالك توقع.

لم يتوقع أن يتبدل المشهد في الشارع الطويل الخالي إلا منهما. لقد ظهر فجأة شخصٌ ثالث. وقف أمامها كمارد سقط من السماء. رفع في وجهها سكينا لمعت بين عينيها كبرق ساطع. ارتعبت وأطلقت صرخة حادة ومختصرة .

لا. صاح في سره. ما هذه الميتة التي أتمناها لها. على يدي أنا يجب أن تموت.

- أموالك وما تملكين. أمرها النشال صاحب السكين.

أعطته هاتفا وحلية ونقودا، فاستولى عليها وانتزع منها حقيبتها. لم تقو على مواجهة نظراته ولم تعرف كيف تخفي رعبها فأغمضت عينيها. امتدت يده لتنزع من عنقها عقدا ذهبيا، بينما هي تتلو آيات قرآنية لتحميها، ولتُثَبِّتَ اهتمامها بشيء في انتظار أن تتوارى تلك اللحظات العصيبة وتصبح ذكرى سيئة.

سيغادر، لقد حصل على كل ما يريد، هاتف وحليّ ونقود. قَتْلُهَا لن يقدم له شيئا. لكن حين فتحت عينيها لم يزل الرجل هناك مسلح اليد بنية أن يطعنها. لم يكن لها وقت للتحرك.

كانت تنظر إلي السكين التي ستقطع رقبتها كمتفرجة عاجزة. غريبة!هل هذه هي حياتها؟ يقال أن الإنسان حين الموت يعاود رؤية أهم محطات حياته معجلة. لكنها لم تستعرض إلا مشهدا واحدا. صحراء ممتدة لا تتبين فيها إلا وجها واحدا متميزا. وجه رجل مهم في حياتها لكنها لم تعرف كيف تحافظ عليه.

أغمضت عينيها. لقد ماتت. لا ليس بعد. أحدهم ظهر فجأة من العدم. رجل متشرد. هل جاء ليهاجمها هو الآخر؟ كلا. لقد فهمت أنه جاء لينقضها حين ارتمى على النشال كوحش بري هائج. حماها بجسده فاستقرت طعنة السكين في صدره.

انهارت قواه فانهار على الرصيف المجمد، وانهارت عزيمته على الانتقام.

شيء ما انكسر بداخلها. موجة من الحرارة أغرقت كل كيانها. لم تكن تعلم بعد إن كان ارتياحا أم حرقة. هل اندلع أمل أم ألم ذاك المساء؟

تلون نقاء الثلج بدماء قانية، وغرقت صحراء روحها في ظلام الليل، واستمرت ندف الثلج تتساقط على الشارع الطويل وعلى قلبها بثقل وصمت.


زهرة يبرم/ الجزائر 

شهر 05/ 2015

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكمت نايف خولي هو الإنسان تأمَّلْ هذه الدُّنيا وراقبْ ..... بعين النَّاقدِ الحرِّ البصيرِ ترَ الأشياءَ توغِلُ في التَّخفِّي ..... تغورُ وتنطوي خلف القشورِ وتربضُ في كهوفِ الغيبِ تهفو ..... لملاّحٍ ومكتشفٍ خبيرِ عليمٍ في البواطنِ والخفايا ..... يشقُّ بسيفِه جلَدَ الستورِ يُطِلُّ على الحقيقةِ دون لُبْسٍ ..... ويجلو ما تلبَّسَ من أمورِ *** هو الإنسانُ ينشأُ من ترابٍ ..... كأيَّةِ بقلةٍ أو قردِ غابِ ومن أملاحِه يقتاتُ ينمو ..... ويقوى في المداركِ واللُّبابِ ويبدأُ بالتَّمايُزِ والتَّرقي ..... فيفتحُ للتَّطوُّرِ ألفَ بابِ يطالعُ في الطَّبيعةِ ما تبدَّى ..... فينظُمُه علوماً في كتابِ ويخلقُ من هَباءِ الأرضِ كوناً ..... يفوقُ ويعتلي كونَ الترابِ *** هو الإنسانُ مخلوقٌ طموحٌ ..... إلى العلياءِ يحلُمُ بالصعودِ يَحوكُ من التُّرابِ جناحَ نورٍ ..... ليعبُرَ سابراً لُغزَ الوجودِ يحطُّ على الكواكبِ في شموخٍ ..... وعقلٍ شاخصٍ صوبَ الخلودِ ينقِّبُ في زوايا الكونِ بحثاً ..... وتمحيصاً عن الأصلِ التَّليدِ يُحسُّ بذاتِه فرداً فريداً ..... يُغايرُ جوهراً نسلَ القرودِ *** هو الإنسانُ أبدعَ كلَّ فنٍّ ..... علومٌ جمَّةٌ أدبٌ جميلُ وموسيقى وتصويرٌ ونحتٌ ..... وهندسةٌ فبنيانٌ جليلُ وأخرجَ من بطونِ الأرضِ زيتاً ..... فعمَّ بفضلِه الخيرُ الجزيلُ أضاءَ بنورِه عتمَ الدَّياجي ..... فشعَّ اليُسرُ والدِّفءُ العليلُ وأخصبتِ الحقولُ جنىً شهيّاً ..... فسادَ الرَّغدُ والعيشُ الأسيلُ *** هو الإنسانُ خَلْقٌ لا يُجارى ..... يسودُ على الطَّبيعةِ والوجودِ فمن طينٍ وبعضٍ من موادٍ ..... يصوغُ عجائبَ العقلِ الفريدِ يُغيِّرُ وجهَ كوكبِنا ويمضي ..... يجدُّ السَّيرَ للكونِ البعيدِ ويحملُ بين جنبيهِ الأماني ..... وأشواقاً إلى الوطنِ السَّعيدِ وأحلاماً بكشفٍ للخفايا ..... يُعيدُ له الأصالةَ من جديدِ *** بربِّك يا أخي هل هذا قردٌ ؟..... حفيدُ بهيمةٍ نسلُ القرودِ ؟ فيغزلُ من أديمِ الأرضِ فكراً ..... يجوزُ به متاهاتِ الحدودِ يَشيدُ حضارةً تزدادُ زهواً ..... يَزينُ بدُرِّها صدرَ الوجودِ يَسنُّ شرائعاً، نُظُماً وعلماً ..... بها يحبو إلى الكونِ الأبيدِ إلى الآفاقِ حيثُ النُّورُ يجلو ..... ظلامَ الجهلِ والفهمِ البليدِ *** أرى في العقلِ لمْحاً من إلهٍ ..... توارى خلف أسدالِ الضَّبابِ وما الصَّلدُ البليدُ سوى سرابٍ ..... تكثَّفَ آخذاً صورَ النِّقابِ ليحجُبَ عن مداركِنا وجوداً ..... نراه مُموَّهاً نهبَ ارتيابِ يبينُ ويختفي في كلِّ آنٍ ..... عصيَّ الفهمِ مشكولَ الجوابِ يراه أخُ البصيرةِ دون لُبْسٍ ..... فينحو سالكاً سُبلَ الصوابِ هو الانسان حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديوان حلمي أهيم مع الفراشِ

حكمت نايف خولي هدِّيء من الخفقان هدِّيءْ منَ الـَخفـَقان ِ يا َقـلـْبي الجريح ْ شابَ الزَّمان ُ وآنَ لـي أن أسْـتـَريــحْ فـي كـُلِّ يَـوم ٍ مـن حَـياتـِك َ عـاشِــقٌ يمْـضي وتـَبـْقى في مَكانـِك َ كاكسـيح ْ ـــــ هدِّيءْ مِنَ الخـَفـَقان أذ بَـلـْتَ المُقـَل ْ وَحَشَرْت َفي َصدْري جُيوشا ًمن عِلل ْ أنـْبَتَّ في روحي َغـرامـا ً قــاتِـــلا ً فـَغـَدَوتُ من َخمْر ِ الأحبـَّة ِ كالـثـَّمِـل ْ ــــــ هَدِّيءْ منَ الخَـفـَقان ِ إيَّاك َ الـهَـوى يا خافقي فغـَدا ً ُتـعَذ َّب ُ بالنـَّــوى واسْدِ لْ على المـاضي سِتارا ًعاتـِما ً إياكَ أن تهوى فيقتلكَ الجوى ــــــــ هدِّيءْ من الخفقان ِلا تهْوى امْـتِثال ْ فغـَرامُها يا قلبُ ضرب ٌ مـن َمحال ْ هيَ في َسماءِ الـحُـبِّ بـدر ٌ شـــارد ٌ وأنا أسيرُ الأرْض ِ مَصْفود ُالخـَيال ْ هدّيءْ حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديوان للروح أزاهير وثمار

حكمت نايف خولي روحي لها روحي لها والقلبُ معبد حبِّها وأنا الشهيدُ ذبيحُ فتكِ عيونها وأنا المعذَّبُ صامتٌ متوجعٌ حتى الأنين كتمته من أجلها والآخُ تخنقني وتكوي مهجتي فألوذُ منهوكاً أرتلُ باسمها هيَ ربتي وأنا المتيمُ خاشعاً أرنو إليها حالماً بحنانها في مجمرِ الأشواقِ يحرقني الجوى أتلو صلاةَ العشقِ مسحوراً بها وحدي مع الأحزان يجلدني الأسى والحلْمُ يوهمني بقربِ لقائها أشتاقها أهفو إليها ظامئاً لرحيقِ مبسمها وريقِ شفاهها خمرٌ معتَّقةٌ تشلُّ مداركي فأغلُّ مخمور النُّهى في حضنِها تتشابكُ الآهاتُ شوقاً جارفاً فأذوبُ أفنى في لهيبِ وصالها وعلى رموش النور احمل ربتي فإلى السما نرتاح في اخدارها روحي لها حكمت نايف خولي من قبلي أنا كاتبها من ديواني أحببْ بروحك لا بالجسمِ والبدنِ @الجميع